النويري
78
نهاية الأرب في فنون الأدب
مخارج أفعاله فاعمل بها ، ثم اذهب إلى المغرب . فخرج حتى انتهى إلى أبى القاسم ، فأنزله وأكرمه ، وأقام عنده من وقت انصراف الحاجّ من مكة إلى اليمن إلى وقت خروجهم في العام المقبل . فخرج أبو عبد اللَّه مع الحاجّ إلى مكة . فلما قضى الناس حجّهم واستقرّوا بمنى جعل الشّيعى يمشى بمنى وينظر إلى الناس ، فمرّ بجماعة من كتامة وهم في رحالهم ، وكانوا من الشّيعة الَّذين تشيّعوا بسبب الحلواني وفيهم حريث الجيملى وموسى بن وجاد « 1 » فسمعهما الشيعىّ يذكران لأصحابهما فضائل علي بن أبي طالب ، رضى اللَّه عنه . فجلس إليهما وذكر من ذلك شيئا ، وأقبل على القوم وحدّثهم طويلا ، ثم نهض ليقوم فقاموا معه ، ومشوا بمشيه ، وعرفوا مكانه . ثم أتوا من الغد فأوسع لهم في الحديث ، فزادهم ذلك فيه رغبة ، وعليه إقبالا . ثم صحبهم في طول الطريق بعد انصرافهم من الحج إلى أن وصلوا إلى مصر ، وهم يبالغون في خدمته ، ويرحلون برحيله ، وينزلون بنزوله ، وهو يسألهم عن بلادهم في خلال ذلك ، وعن طاعتهم لملوكهم ، فيقولون ما علينا طاعة لهم ، وهو لا يعرّض لهم بقصده ولا رغبته في بلادهم . فلما أتوا مصر أظهر أنه يريد الإقامة بها ، فتألَّموا لفراقه ، وقالوا ما الذي تقصد بمقامك مصر ؟ قال : التعليم . فسألوه أن يصحبهم إلى بلادهم وأنهم يوجبون له على أنفسهم أجرة في كلّ سنة ، وما أوجب . ولم يجبهم إجابة كلَّية ؛ ورغبتهم كلّ يوم تزيد فيه ، فأجابهم إلى الخروج معهم ، ففرحوا بذلك واستبشروا ، وجعلوا يزيدون في برّه ، ويقولون له : عندنا كثير من إخوانك ومن يذهب إلى
--> « 1 » « وموسى بن مكارم » في افتتاح الدعوة ص 34 .